اسْتِقْبَالُ رَمَضَان

نحن على مشارف شهرٍ مبارك وموسم عظيم دنَت أيامه وقرُب مجيئه ، بما يحمله هذا الشهر من خيرات عظيمة وبركات عميمة ، وبما فيه من غفران للذنوب وتكفير للسيئات وعتق من النار . وجديرٌ بكل مسلم أن يحسن التهيؤ لهذا الشهر والاستعداد بالنية الصالحة والقصد الحسن ، والهمة العالية والعزم الرفيع ، والجد والاجتهاد والحرص على اغتنام أوقات هذا الشهر المبارك لياليه وأيامه .
وسبحان الله ! ما أن يتباشر المسلمون بدخوله إلا ولحظاتٌ قلائل وهم يودِّعون ذلك الموسم العظيم ؛ فسرعان ما يدخل وسرعان ما يخرج ، ولقد شاركنا في رمضان الماضي شيوخٌ وصغار ، ورجال ونساء ، ولكن حالت بينهم وبين هذا الشهر المنية وفرَّق بينهم وبين إدراكه الموت ، ولهذا تعَدُّ غنيمة عظيمة أن يبلَّغ العبد شهر الخيرات وهذا الموسم العظيم . وكان نبينا عليه الصلاة والسلام يبشِّر أصحابه بدخوله لعظم شأنه وجلالة قدره ورفيع مكانته ؛ ((هَذَا رَمَضَانُ قَدْ جَاءَكُمْ)) هكذا كان يقول عليه الصلاة والسلام : ((هَذَا رَمَضَانُ قَدْ جَاءَكُمْ تُفَتَّحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ، وَتُسَلْسَلُ فِيهِ الشَّيَاطِينُ )) ، ((وَيُنَادِي مُنَادٍ كُلَّ لَيْلَةٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ ، وَلِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ عِنْدَ كُلِّ لَيْلَةٍ)) ؛ هذه الفضائل العظيمة التي خُص بها هذا الشهر المبارك تهز القلوب شوقا لإدراكها وأن يكون المرء من أهلها ، وأن يوفق لاغتنام خيراته وبركاته . والاستعداد لهذا الشهر يكون كما قدَّمت بالنية الصالحة والعزم الأكيد على حسن العمل وحسن العبادة وحسن التقرب إلى الله عز وجل ومجاهدة النفس على ذلك .
وينبغي أن يُعلم أن أعداء الدين يدركون فضل هذا الشهر وعظيم مكانته ؛ ولهذا فإنهم قبل دخوله يخططون ويدبِّرون في كيفية حرمان شباب المسلمين وأبنائهم من خيرات هذا الشهر ، ولهذا تكثَّف الملهيات والصوارف والأفلام والملاهي بشكلٍ لا يوجد في غير رمضان ، حتى إنه ليُظَن في بعض الأمكنة أن الناس دخلوا موسم لهو ولعب ، ولهذا ينصرف كثير من الشباب إلى وسائل اللهو واللعب ومشاهدة الأفلام والتي تعَدّ من قبل رمضان بشهور حتى تفوّت على الشباب إدراك خيرات هذا الشهر العظيم ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : ((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) . وأعداء الدين لا يريدون أن يحصِّل أبناء المسلمين هذه المغفرة، حتى ليلة القدر يريدونها أن تفوت عليهم ، وهي ليلة فخَّم الله أمرها وعظم شأنها { وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}[القدر:2-3] ألف شهر أي أكثر من ثمانين سنة ليس فيها ليلة القدر ، ليلة القدر خير من أكثر من ثمانين سنة ليس فيها ليلة القدر ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : ((أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ)) يعني ليلة واحدة أعلى من أعمار غالب أمة محمد عليه الصلاة والسلام ، ومع ذلك تجد بعضًا من المسلمين تمر ليالي رمضان بل تمر الليالي التي يُتحرى أنها ليلة القدر ولا يدركون لها قيمة ولا يعرفون لها مكانة ولا يحسُّون بشيء من قدرها ، ولهذا تمضي كسائر الليالي ؛ وهذه والله مصيبة عظيمة بل وحرمان بالغ ، وقد جاء عن نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ)) ؛ أي أن بلوغ المرء لرمضان إدراكه لهذا الشهر الفضيل العظيم يهيِّج النفس للتوبة والإنابة والإقبال على طاعة الله سبحانه وتعالى ، تتحرك في النفس الخيرات والمنافسة في العبادات والمسارعة إلى الطاعات ، بينما إذا مضى المرء على غفلته ولهوه وصدوده وإعراضه فإن الشهر يدخل ويخرج وهو على حاله في غفلةٍ وضياع .
ولهذا ينبغي على المسلم أن يستشعر أولًا قيمة هذا الشهر ومكانته العظيمة وأنه قد دخل موسمًا عظيمًا للربح والغنيمة ، انظروا على سبيل المثال إلى تجار الدنيا الساعين في تحصيل الأموال كيف يحسبون حسابًا دقيقًا للمواسم الرابحة للتجارة ، وإذا كان الأمر يتطلب منهم أسفارًا إلى بلدان بعيدة سافروا من أجل تحصيل ربحٍ أعلى وكسب أكبر . وهذا الموسم المبارك شهر رمضان العظيم هو من أعظم المواسم في تجارة الآخرة ، من أعظم المواسم للتجارة الرابحة تجارة الآخرة .
وعلى المسلم أن يهيئ نفسه في هذا الشهر حتى يحسن اغتنامه ، ويضع لنفسه البرامج الجيدة النافعة المفيدة ، وإذا وضع لنفسه برنامج يلزم نفسه به ، يعني انظر على سبيل المثال البرامج أحد السلف إذا دخل رمضان قال : «إنما هو إطعام الطعام وقراءة القرآن» هذا برنامج وضعه لنفسه في شهر رمضان ، فإذا دخل رمضان ماذا ستفعل ؟ حدِّد أهدافك وأعمالك ، رتب أوقاتك ، لا تفوتك صلاة التراويح وقيام الليل ، لا يفوتك كثرة الذكر وقت الصيام ، فإن أعظم الصائمين أجرا عند الله أكثرهم في صيامهم ذكرا لله ، من صام النهار عن الطعام والشراب وسائر المفطرات لكنه مثلا نائم من الفجر إلى الظهر هل يستوي هو من كان في صيامه قضى ذلك الوقت في قراءة القرآن؟ هل الصيام واحد ؟ هل يستويان في صيامهما ؟ لا والله ؛ نعم هذا الصائم أدى الفرض وهذا أيضا صائم لكن لا يستويان .
والقاعدة عند أهل العلم: أن أعظم الناس أجرًا في كل طاعة أكثرهم لله ذكرا فيها ، فأعظم الصائمين أجرًا أكثرهم لله ذكرا ، وأعظم المعتمرين أجرًا أكثرهم لله ذكرا ، وأعظم الحجاج أجرا أكثرهم لله ذكرا ، وهكذا قُل في كل طاعة ، لأن ذكر الله هو لب الطاعات وروح العبادات ؛ إنما شُرع الصيام والحج والصلاة وغيرها من الطاعات لإقامة ذكر الله سبحانه وتعالى ، وإذا هيأ المرء لنفسه برنامجًا في هذا الشهر العظيم والموسم المبارك ووضع لنفسه برنامجًا فإنه يحرص على إلزام نفسه بما رتب لنفسه من برنامجٍ في هذا الشهر ، والنفس مع المجاهدة لها والاستعانة بالرب سبحانه وتعالى تحصِّل الخير الكثير كما قال عليه الصلاة والسلام : ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزَنَّ )) . وسبق أن طُبع لي رسالة بعنوان «وجاء شهر رمضان» فصَّلت فيها بعض الشيء فيما يتعلق بالاستعداد والتهيؤ لهذا الشهر المبارك ، ولعل في قراءتها أو الاطلاع عليها معونة بإذن الله سبحانه وتعالى على حسن التهيؤ والاستعداد لهذا الموسم العظيم المبارك .
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يبلغنا أجمعين رمضان ، وأن يوفقنا لحسن اغتنام أيامه ولياليه ، وأن يعيننا فيه على ذكره وشكره وحُسن عبادته ، وأن يصلح لنا شأننا كله.