الإيمان باليوم الآخر ، والجنة والنار

إنَّ من أصول الدين الراسخة وأسس الإيمان الثابتة الإيمان بكل ما أخبر الله عز وجل به وما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت ، بل إن الإيمان بذلك يُعدُّ ركناً من أركان الإيمان العظيمة التي لا إيمان إلا بالإيمان بها ، قال الله تعالى : {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ } [البقرة:177] ، وقال تعالى {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } [البقرة:4] ، وقال تعالى {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ } [المؤمنون:15-16] ، وقال تعالى : {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا } [النساء:136] .

فالخلق جميعهم سيقِفون يوم القيامة بين يدي الله عز وجل ليجزيهم بأعمالهم وليحاسبهم على ما قدَّموا في هذه الحياة {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الأنعام:160] وسيعطي كل واحد منهم كتاباً حاوياً لأعماله محيطاً بما قدَّم لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، وكلٌّ سيجِد ذلك حاضراً أمامه لا محيص عنه ولا مفر {كُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا } [الإسراء:13] . ويكون عنوان أهل السعادة أن يعطوا كتبهم بأيمانهم فيكون ذلك أول البشرى بما تحتوي عليه كتبهم من الخيرات ، ويعطى أهل الشقاء كتبهم بشمائلهم من وراء ظهورهم بشارةً لهم بالشقاوة وفضيحةً لهم بين الخلائق {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا } [الانشقاق:7-12] . وعلى إثر ذلك ينقسم الناس إلى فريقين : فريق في الجنة وفريق في السعير {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ } [هود:105-108] .

وقد وصف الله تعالى في القرآن الكريم عذاب النار ووصف أهلها بأفظع الأوصاف وأنه سبحانه جمع لهم فيها بين أصناف العذاب وألوان العقوبات ، فيعذبهم بالنار المحرقة التي تطلع على الأفئدة ، وكلما احترقت جلودهم في النار بُدِّلوا جلوداً غيرها ليعاد عليهم العذاب ويذوقوا شدته .

ويعذِّبهم فيها بالجوع المفرط والعطش الشديد ؛ فإنهم إذا استغاثوا للشراب لشدة عطشهم أغيثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه ويقطِّع الأمعاء ، ويزيد عطشهم شدة على شدة ، فإذا استغاثوا للطعام لشدة الجوع أتي لهم بالزقوم الذي حرارته أعظم من الرصاص المذاب ، وهي في غاية الحرارة وقبح الريح وخبث المنظر ، طلعها كأنه رؤوس الشياطين، فيأكلون لشدة جوعهم فيغلي في بطونهم كغلي الحميم . مع ذلك {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ} [إبراهيم:49-50] ثم هم فيها يترددون في عذابهم بين لهب النار وحرارتها التي لا يمكن وصفها ، وبين برد الزمهرير الذي يكسر العظام من قوة برده .

وقد وصفها سبحانه بأنها تكاد تميز من الغيظ على أهلها ، وأن لها زفيراً وشهيقاً ، وأنها تطَّلع على الأفئدة فتنفذ من الأجسام إلى القلوب ، وأنها مؤصدة أي مغلقة في عمد ممددة : أي أن من ورائها أبواباً عمداً ممددة تحكم غلق أبوابها لئلا يخرجوا منها . نسأل الله الكريم العافية والسلامة من ذلك ، وأن يجيرنا وإياكم من النار ، وأن يجنِّبنا وإياكم أسباب دخولها . ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .


ثم إنَّ الله عز وجل قد وصف في القرآن الكريم الجنة وما أعدَّ فيها لأهلها من النعيم وما عليه أهلها من الفرح والسرور ، وأن نعيمها شامل لنعيم الأبدان وسرور الأرواح وأفراح القلوب وشهوات النفوس مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . وأخبر سبحانه أنَّ جميع أصناف النعم والملاذ موجودة فيها ، لهم فيها أزواج مطهرة من كل عيب ودنس ، خيِّرات الأخلاق ، حِسان الوجوه ، قاصرات الطرف ، مقصورات في الخيام ، كأنهن اللؤلؤ والمرجان ، أنشأهنَّ الله إنشاءً كاملاً بديعاً فجعلهنَّ أبكاراً دائماً ، عُرباً يتحبَّبن إلى أزواجهنَّ بتحسين الظاهر والباطن ، أتراباً على سن واحدة {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ} [يس:56-58] .

لهم فيها فواكه كثيرة منها يأكلون ، قطوفها دانية يتناولها من اشتهاها بكل سهولة قائماً وقاعداً وعلى كل حال {لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ} [الواقعة:33] ، {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة:25] ، {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم:62] ،{فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} [محمد:15] .

يطوف عليهم فيها ولدان مخلدون منعمون {إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا } [الإنسان:19] ، يطوفون عليهم {بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ } [الواقعة:18-19] ، {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} [الزخرف:71] . ولهم فيها ما يدَّعون {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة:17] .

ويحلُّ عليهم فيها رضوان الله فلا يسخط عليهم أبداً ، ويتجلى لهم فينظرون إليه فلا يجدون نعيماً أكمل من النظر إلى الله عز وجل ، فيجتمع لهم نضرةٌ في وجوههم ونظرٌ إلى ربهم وبارئهم {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } [القيامة:22-23] فيبقون في هذا النعيم أبد الآبدين في نعيم متواصل وفرح مستمر وعطاء غير مجذوذ .

عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((يُنَادِي مُنَادٍ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا ، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا ، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا ، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ { وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف:43] )) [1]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ)) [2] .

رزقنا الله وإياكم الجنة ، وأكرمنا وأكرمكم بدخولها ، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرَّب إليها من قول وعمل ، ونعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قول وعمل .

والجنة معدَّة لأهلها مهيأة لمن سعى لها سعيها ، يقول الله تعالى : {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران:133-136] . ويقول الله تعالى : {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء:13-14] . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى )) قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى ؟ قَالَ : (( مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى)) [3] . فالجنة طريقها واضحة وأبوابها مشرعة ومعالمها ظاهرة ، والكيِّس منَّا مَنْ أعدَّ لها عدَّتها وهيَّأ لها أعمالها ، والعاجز من أتْبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

*********
________________
[1] رواه مسلم (2837) .
[2] رواه مسلم (2836) .
[3] رواه البخاري (7280) .