فقيدنا الغالي

الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين . أما بعد :

فإنَّ المصاب جلل والحزن عظيم ، أجارنا الله والمسلمين في مصابنا وعوَّضنا خيراً ، وعزاؤنا في هذا المصاب ما رواه مسلم من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ { إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا )) [1].

فكم لهذه الكلمة - بفضل الله عز وجل - من الآثار الحميدة والعواقب المباركة والنتائج الطيبة في الدنيا والآخرة ، وقد قال الله تعالى : { وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } [البقرة:155-157] فما أوسعه من فضل ، يقول عمر بن الخطاب " نِعْم العِدْلان ، ونِعْمَتْ العلاوة " .

أقول: هذا عزاؤنا في فقيدنا الغالي صاحب الفضيلة الشيخ عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم رحمه الله ، وغفر له ، ورفع درجته في المهديين ، وأخلفه في عقبه في الغابرين ، وفسح له في قبره ، ونوَّر له فيه.

وقد عرفه أهل العلم وطلابه بهمته العالية وعطائه المتواصل منذ شبابه ، وكان من حسناته المشكورة وأعماله المبرورة عنايته - رحمه الله - بكتب أئمة الدعوة وخدمتها ونشرها ودعوته طلاب العلم للإفادة منها ، حتى أخرج كمًّا كبيراً مخدوماً محققاً تقرُّ به عين ناظره ويسرُّ به المطلع عليه ، وقد نهضت همته إلى هذا الأمر منذ زهرة شبابه وإبان طلبه للعلم حتى أثنى عليه في جهده هذا أجلَّةُ علماء العصر ، وحمدوا له هذا الجهد المبارك النبيل .

قال العلامة الجليل الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي رحمه الله : " .. لنا جميعاً أخ في الله هو الأستاذ عبد السلام بن برجس بن ناصر العبد الكريم ، وفيما أعتقد أنه وفقه الله فكر في موضوع ما فكر فيه غيره ، وقد تحققت فكرته المباركة فكرته المباركة بالعمل ، وهاهو سدَّد الله خطاه في بداية الطريق ، هذه الفكرة هي إيجاد وإظهار الكتب والرسائل التي كتبها علماء الدعوة السلفية ، وهم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه وتلامذة التلاميذ ، فقام الأستاذ بنشر هذه الرسائل وتحقيقها وتخريج أحاديثها وترقيم الآيات القرآنية الموجودة فيها ، وما ذاك إلا لأن الكتب والرسائل التي كتبها هؤلاء العلماء الأفاضل أكثر العلماء وطلبة العلم الذين درسوا في المعاهد والكليات والجامعات والمتوسطات والثانويات لا يعرفون عن هذه الكتب القيمة شيئاً ، وهي من تراثنا النفيس الغالي ، فجزى الله الأخ الفاضل الأستاذ عبد السلام بن برجس خير الجزاء ، وأثابنا وإياه ثواب المحسنين والمصلحين ، ورزقنا وإياه الإخلاص في النية والقول والعمل " .

وقال الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين رحمه الله : " وقد يسَّر الله إلى بعض شباب المسلمين المتحمِّسين للحق أن رعوا هذا الجانب التفاتاً ، وعزموا على إحياء تراث الآباء والأجداد من أئمة الدعوة إلى التوحيد ، وكان من بين أولئك الشباب الطالب النبيه المدعو عبد السلام بن برجس عبد الكريم الذي عزم موفقاً إن شاء الله على تحقيق رسائل أئمة الدعوة التي تتعلق بهذا الموضوع وعلى تحقيقها وتثبيت النصوص وتخريج الأحاديث والآثار وذكر درجتها ، وذلك جهد كبير وعمل مبرور يثاب عليه إن شاء الله تعالى " .

وقال الشيخ الفاضل حمد بن عبد الرحمن المزروع : " ولقد كان من بين من يناضل عن هذا الدين الشاب الطيب عبد السلام بن برجس العبد الكريم ... وفقه الله وزاده علماً وعملاً وفقهاً في الدين وإخلاصاً لرب العالمين " . فهذا ثناء عاطر عليه – رحمه الله – من هؤلاء العلماء وهو في زهرة شبابه حمدوا له سيرته وقدَّروا له نشاطه وأثنوا على جهوده الطيبة .

وقد مضى بهمته العالية ونشاطه الكبير في خدمة العقيدة والسنة بالتأليف والمحاضرة وإلقاء الدروس والخطب ومن خلال المشاركة عبر وسائل الإعلام إلى غير ذلك من المناشط والجهود إلى أن توفاه الله عز وجل ، والحديث عن جهوده في هذا المجال باب واسع ، وليس بخافٍ على طلاب العلم ، وهو من فضل الله عليه محمود السيرة .

وقد كان آخر لقاء لي به – رحمه الله – في يوم الثلاثاء الموافق 18/1/1425 متجهاً إلى دولة الكويت ، حيث ألقى هناك محاضرة بعنوان ( أصول المخالفين لمنهج السلف ) . وتوفي رحمه الله على إثر حادث مروري في طريق عودته إلى الرياض من محاضرة ألقاها في الأحساء بعد المحاضرة بوقت يسير ، وهذا من أمارات حسن الختام إن شاء الله .

قال الفضيل بن عياض رحمه الله : (( طوبى لمن مات على الإسلام والسنة )) ، وقال عون بن عبد الله رحمه الله : ((من مات على الإسلام والسنة فله بشير بكل خير )) ؛ ونحسب الفقيد كذلك ناصراً للسنة ذاباً عنها ساعياً في نشرها إلى آخر لحظات عمره ، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا .

وأوجِّه في الختام دعوة إلى خواص طلابه للعمل على إبراز جهوده في التأليف والتحقيق والمحاضرات وغير ذلك.

وأسأل الله أن يتغمده برحمته ويغفر له ، وأن يلحقه بالصالحين من عباده ، وأن يجزيه خير الجزاء على جهوده الطيبة وأعماله المباركة ، ونسأله سبحانه ألا يحرمنا أجره وألا يفتِنا بعده وأن يغفر لنا وله .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .                              في 13/2/1425

*********

________________

[1] رواه مسلم (918) .